الثلاثاء، 22 سبتمبر 2020

الشيطان طول الوقت

مقالي الاسبوعي اليوم بجريدة روزاليوسف

(الشيطان طول الوقت) والعودة بالأدب الأمريكي كمصدر للدراما 

دونالد راي بولوك يسبح بشخصياته في عوالم فوكنر وتقنياته السردية 

بقلم : باسم توفيق 

لعل من من المنطقي والبديهي أن أن نعترف أن حركة الأدب في العالم تمر بأزمة كبيرة في الثلاثة عقود الأخيرة ... بل ليس من المنطق أن ننكر أن الأدب يقترب من أنهيار القيم الجمالية التي تميزة بل والأكثر من ذلك أن اقل قواعد النسق البنائي في الأدب تجاوزت مرحلة الأهتراء وأصبح النص الأدبي يفتقر إلى مصطلح الأدب ذاته ، ولسنا هنا بصدد أعادة سرد هذه القيم لمن يحب ان يبدا في صناعة أدبا متميزا لكننا في الحقيقة بصدد قياس بعض العمليات الفنية التي تجرى على الأدب في عالمنا المعاصر والتي أصبح بعضها يحاول جاهدا أن يعيد للنص الأدبي هيبته وجزالته بل ويحاول أعادة إلى مساره الصحيح من ناحية النسق ، والحقيقة أن الأدب الأمريكي والذي أصبح هو الأخر يعاني ضعفا وغرائبية في النص لازال يحاول أن يولد من جديد ويعود لعصر المصدرية أي أن يكون النص الأدبي هو مصدر الفنون الدرامية والأدائية كما كان كذلك حتى حقبة السبعينيات ليس في أمريكا فقط بل أيضا في معظم أنحاء العالم ، إذن لربما نحن على أعتاب صحوه تعيد للنص الأدبي هيبته ، 
والسبب في طرحنا هذه القضية أن السينما الأمريكية تحاول جاهده – ولو بإنتاج فقير – أن تعيد النص الأدبي مره أخرى للصورة الكبيرة في الأنتاج السينمائي وهذا يتضح جليا في أحدث أفلام هذا العام في فيلم – الشيطان كل الوقت – أو The Devil All The Time  والذي  يستند على محاور أدبية قد تدخل في نطاق تراث الأدب الأمريكي على الرغم من أن مؤلف القصة وهو روائي شهير وناجح من الروائين المعاصرين وعلى الرغم من قلة أنتاجه الأدبي إلا أنه يعتبر من أكثر الروائيين الأمريكين شعبية في أوربا وأمريكا وهو الروائي دونالد راي بولوك والذي يستند الفيلم على روايته الشهيره بنفس الأسم – الشيطان كل الوقت – وعلى الرغم من أن الروايه قد تبدو للمشاهد انها قصة أمريكية تصلح للسينما لكن في الحقيقة أحتاجت الروايه جرأه كبيرة لتتحول لفيلم سينمائي ، فمن ناحية تعتبر الروايه مغامرة أنتاجية لكنها محسوبة لأنها من نوع الأنتاج الخاص بالقنوات الخاصة التي تبث على شبكات الأنترنت وهي شبكة نتفلكس التي بلغت قيمتها مليارات الدولارات بعد أن دخلت مجال الأنتاج الخاص بها منذ سنوات ... ومن ناحية أخرى هي مغامرة في معالجة رواية أدبية تقترب للنمط الأمريكي الكلاسيكي وهو النمط الذي حققت به السينما الأمريكية نجاحات مذهلة بين الأربعينيات والستينيات .
تعتبر رواية الشيطان كل والوقت لدونالد راي بولوك والتي نشرت عام 2008 من الروايات التي تحتفي أسلوبا بالأدب الأمريكي الكلاسيكي أو دعنا نقول أنه ما بعد الكلاسيكي ويعود ذلك لعدة عوامل أولها أن الكاتب بنى شخصياته على نفس أسلوب كتاب حقبة الأدب الامريكي مابعد الكلاسيكي وتحديدا بين وليم فوكنر وجون شتاينبك فهي شخصيات شاذة وشديدة الغرابه والتي تكون منها الجيل الرابع من المجتمع الأمريكي المهاجر مشكلا شخصية ال WASP  اي الرجل الابيض الأنجلوساكسوني البروتوستانتي ، وبينما تبدو للمشاهد أن هذه الشخصيات غريبة وشاذه إلا أنها ليست كذلك في طقس بناء الشخصية في الأدب الأمريكي في القرن العشرين فهناك دائما الشخصية المهووسة دينيا التي يقودها هذا الهوس للشذوذ والعنف في معظم الأحيان وهناك الشخصيات المضطربة جنسيا والتي تعاني هوسا ما بالطقس الإيروتيكي الغريب والمقزز أحيانا وهناك ايضا شخصية البطل التي تجبرة قسوة الحياة في الأقاليم الأمريكية القاحلة أو ذات الكثافة السكانية الخانقة مع وجود الكساد والفقر أن يتبنى العنف وسيلة للنجاه .. وبين هذا وذاك توجد أيضا شخصيات ساذجة وبريئة وهي دائما ضحية للأنماط الشخصية السابقة كما تمثل ملح الرواية والصمغ الذي يربط الأحداث بعضها البعض ، 
فإذا نظرنا لشخصيات بولوك أستطعنا بسهولة أن نلمح فيها شخصيات سابقة بشكل قد يتطابق أحيانا عند كلا من وليم فوكنر و جون شتاينبك مع بعض الرتوش التي تناسب ملامحها الجديدة فشخصية روي لافرتي في رواية بولوك ذلك المهووس دينيا الغريب الأطوار والذي تدفعة هلاوسة الدينية لقتل زوجته تذكرنا شخصيته بشخصية داريل عند فوكنر في روايته الملحمية – بينما أستلقي محتضرا- فهو معتوه مصاب بهوس التنبوء بالمستقبل ، وذلك الهوس الديني والمتأرجح بين الشذوذ في الخطاب (البشري – الإلهي) والعقائدي المتمثل في والد البطل عند بولوك يوجين راسل والذي يتعدى هوسه الديني للعنف فيقوم بصلب كلب أبنه كأضحية لتشفى زوجته وهو نفس أطار الشخصيات الهوسية التي تمثل فلسفة الصخب والعنف عند فوكنر فهو يتطابق مع معظم هذه الشخصيات التي فقدت البصيرة فأصبحت تتصرف بعته وعنف .
كما نرى عند بولوك في روايته – الشيطان طول الوقت – نفس أطار الفعل الجنسي عند فوكنر والذي عبر بصدق عن غرابة أهل الجنوب في هذا الجانب ، فشخصية ساندي وزوجها كارل هندرسون تعبر عن نفس الميول الغريبة والهوسية عند شخصيات فوكنر فساندي وزوجها يتجولون لأشباع رغبة غريبة في أصطياد الغرباء وتصويرهم في أوضاع مخلة ثم قتلهم فلا يتورع كارل أن يستخدم زوجته في أشباع هذه الرغبه او الهواية الشاذه ويذكرنا ذلك بالنمط الجنسي الغريب عند فوكنر فهناك بنجي المعتوه الذي يتم أخصاءه لأنه حاول أغتصاب طفلة صغيرة في رائعة فوكنر – الضجة والغضب – وهناك أيضا شخصية بوبي العاجز جنسيا الذي يحاول أغتصاب الفتاه تمبل ديريك بثمرة ذرة ، بل لعلنا نكاد نجزم أن بولوك استلهم بعض الشخصيات مباشرة من فوكنر والتي تدور في فلك عدم السواء الجنسي والعقلي حيث تلقي بنفسها في أتون العنف والقتل اللامسؤل وهذه هي حبكة بولوك تحديدا فلا غرابة أن يجد بولوك ضالته في تراث فوكنر ، 
أيضا يستخدم بولوك نفس التقنيات السردية التي يتخدمها فوكنر فمن ناحية الربط الزمني يجافي أحيانا بولوك التنسيق الزمني في سرد الأحداث وهو نفس اسلوب فوكنر والذي يلقي بك في خضم الأحداث ثم يجنح للتقسيم الزمني ليروي كل واقعة على حدا ثم يربط حبات العقد أخيرا بأطار زمني يرتب لك ما سبق وهذا ما فعلة بولوك في روايته لذلك فأننا نرى أن لفتة مخرج الفيلم أنتونيو كامبوس في أستخدام بولوك كراوي يحكي الأحداث هي لفته ذكية للغاية وضحت وجهة نظر بولوك وفوكنر في تقنية استخدام الزمن عامل مشوق في السرد .
يبقى أن نقول أن شخصيات دونالد بولوك مؤلف رواية الشيطان طول الوقت هي ايضا تتشابه وتتماهى مع شخصيات الروائي الأمريكي الكبير جون شتاينبك مع بعض الأختلافات التي تميز وثنية وأحتفاء شتاينبك بالشخصيات الغريبة والشاذة أيضا وتعتبر رواية تورتلا فلات لشتاينبك خير مثال على ذلك .
الحقيقة أن بولوك عبر بشكل عجائبي عن حبائل شيطانية ربما أيضا فطرية خربت حياة شخصيات الرواية التي تسبح سباحة في الصخب والعنف الفوكنري إذا جاز التعبير ، فسوء الفهم والجهل والأندفاع سار بالشخصيات كلها في نفس الأتجاه وهو أتجاه التدمير الذاتي وكأنه أنتحار مؤجل ومتفق عليه وليس هذا تعبيرا مجازيا فبالفعل أثنين من أصل سبع في شخصيات الرواية الرئيسة أنهو حياتهم بالأنتحار والباقي قتل بيد البطل ... الرغبة الملحة في التدين مع الجهل أفضت بشخصيات الرواية لمصيرهم المؤلم لذا ليس من العجب أن نعتبر أن رواية بولوك رواية في نقد الدوجما والتدين المدفوع والأجباري ومن ثم تعتبر شخصية القس الذي يغوي الفتيات ويستخدمهم لتحقيق رغباته الجنسية هي شخصية محورية ودافعة في الرواية بل وهي مفتاح لتحليل العمل ذاته ... 
حصلت رواية الشيطان كل الوقت للكاتب دونالد راي بولوك على جائزة دويتشر كيرمي العالمية لعام 2017 وجائزة كيتشن أوورد التي تمنحها جامعة ساوث إلينوي وجائزة ليلي شافن وجائزة ليتوراتيور بوليسير الفرنسية وجائزة لو ميستير دو لاكريتيك (جائزة النقاد لأدب التشويق) وهي جائزة فرنسية أيضا 
كما حصل بولوك على عدة جوائز اهما جائزة روبرت بينجهام عام 2009 
يبقى أن نقول أن المعالجة السينمائية للفيلم كانت موفقه بدرجة جيدة والممثلين على الرغم من أنهم من الجيل الواعد إلأ أنهم كانو في فورمه أدائية جيدة جدا

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق