الجمعة، 25 سبتمبر 2020

دور ابن خلدون وابن مفلح الحنبلي في سقوط دمشق

دور ابن خلدون وابن مفلح الحنبلي 
في سقوط دمشق

بعد وفاة السلطان المملوكي الظاهر برقوق ، كان هناك زحف لجيش تيمورلنك باتجاه الشام بعد ان دمر المدن في الاناضول مثل سيواس وعينتاب فاتجه الى حلب ودخلها بعدما خربها واباحها لجيشه ، فاتجه الى دمشق.
وصل كل امراء المماليك الى دمشق ، وخرج السلطان فرج بن برقوق من مصر لنجدتها بجيش كبير ، وكان هذا السلطان ضعيفا وليس له دراية بالامور العسكرية واصطحب معه الفقهاء والعلماء ومن ضمنهم ابن خلدون صاحب المقدمة، وكان السلطان على خلاف مع بقية امراء المماليك ، وعند وصول جيش تيمورلنك الى دمشق ووصول السلطاء وامراء المماليك كذلك ، هرب السلطان ومن معه الى مصر في بادرة خيانة لدمشق والشام ، بحجة خوفه من الانقلاب ، وبقي ابن خلدون في دمشق.
استفرد تيمورلنك بدمشق وارسل الى اهلها ، لعقد صلح اذا سلموه مفاتيح المدينة بدون قتال، فخرج له وفد من اهلها بقيادة الفقيه الحنبلي ابن مفلح، وابن خلدون الذي لحق به وقابلوا تيمورلنك، وقبلوا منه تسليم دمشق  بدون شروط وطلب منهم جمع الاموال وتسليمها لتيمولنك، عاد الوفد يخذّل اهل دمشق ويحثهم على الاستسلام وترك القتال، وتم جمع الاموال بسرعة وسلموها لتيمور لنك  .
ومما ذكره ابن خلدون حول اللقاء مع تيمور لنك:(وبلغني الخبر من جوف الليل، فخشيت البادرة على نفسي، وبكرت سحراً إلى جماعة القضاة عند الباب، وطلبت الخروج أو التدلي من السور، فأبوا علي أولاً، ثم أصخوا لي، ودلوني من السور، فوجدت بطانة تيمور عند الباب.. فحييتهم وحيوني، وقدموا لي مركوباً، أوصلني إليه، فلما وقفت بالباب خرج الاذن فاستدعاني، ودخلت عليه بخيمة جلوسه متكئاً على مرفقه، فلما دخلت عليه فاتحته بالسلام وأوميت إيماءة الخضوع، فرفع رأسه ومد يده إلي فقبلتها، وأشار بالجلوس فجلست حيث انتهيت، ثم استدعى من بطانته الفقيه عبدالجبار بن النعمان، من فقهاء الحنفية بخوارزم، فأقعده يترجم بيننا)
فابن خلدون هنا لم يفصح فقط عن موافقته غير المشروطة تسليم دمشق، بل اقر طلباً لتيمورلنك، بان يعد له تقرير شامل ( استخباراتي ) عن بلاد المغرب العربي ، حيث كلفه بكتابة وصف لبلاد المغرب، وكل مايتعلق بجغرافيتها واماكنها، فعاد ابن خلدون الى جماعته، وشرع في لعب دور مثل دور ابن مفلح ، كي يقنع اهل دمشق بالاستسلام واعطاء مفاتيح المدينة الى الغزاة، وقد ادلى ابن خلدون امامه بشهادة تنم عن تملق وتزلف ومداهنة سياسية اذا يقول:( انك سلطان العالم، وملك الدنيا ، وما اعتقد انه ظهر في الخليقة منذ ادم لهذا العهد ملك مثلك) ولم يتوقف ابن خلدون عند هذا الحد بل طلب أن يكون في بطانة تيمورلنك، وفي خدمته، كما فعل مع امراء وسلاطين عديدين سابقاً، وقد يكون طمع بلعب دور سياسي جديد، ولكن تيمورلنك لم يستجب لطلبه ، ومع ذلك بقي ابن خلدون يزوره ويقدم له الهدايا.
كان تيمورلنك يسأله عن المغرب واهم مدنها وفي البداية كانت اجوبة ابن خلدون لم تقنع تيمورلنك فقال له:( لم يقنعني هذا، واحب ان تكتب لي بلاد المغرب كلها، اقاصيها وادانيها وجبالها وانهارها وقراها وامصارها، حتى كأني اشاهدها، فقلت يحصل ذلك بسعادتك، وكتبت له بعد انصرافي من المجلس لما طلب مني ذلك، واوعبت الغرض فيه في مختصر وجيز يكون قدر اثنتي عشرة من الكراريس ).
فُتح احد ابواب مدينة دمشق بعد ان تمكن ابن مفلح وابن خلدون في اقناع الناس بالاستسلام ، وطمع تيمولنك بمزيد من الاموال والكنوز الدمشقية، وعظمت الخيانات والدسائس ، وكان كل واحد يدل على جاره ومايملكه ، فاخرج التتار كل ما في المدينة واخذوا ما تركه المصريون المنسحبون واموال التجار، وقسم تيمورلنك دمشق على امرائه فكانوا يصبون انواع العذاب ، ويصف المقريزي ماحل بها وما جرى لكل رجل من اهل دمشق فوق العذاب فيقول( ومع هذا كله تؤخذ نساؤه وبناته واولاده الذكور ، وتقسم جميعهم على اصحاب ذلك الامير، فيشاهد الرجل المعذب امرأته وهي توطأ وابنته وهي تقبض بكارتها وولده وهو يلاط به، فيصير يصرخ مما به من الم العذاب ،  وابنته وولده يصرخون من الم ازالة البكارة وإتيان الصبي، وكل هذا نهاراً وليلاً من غير احتشام ولا تستر )
بعد هذا يخبرنا ابن خلدون كيف أنه إذ سرى هذا الود بينه وبين تيمورلنك، قرر أن يفاتحه بشيء فقال «أيدك الله لي اليوم ثلاثة وأربعون سنة أتمنى لقاءك. فقال لي الترجمان عبد الجبار، وما سبب ذلك؟ قلت أمرين الأول أنك سلطان العالم وملك الدنيا وما اعتقد انه ظهر الخليقة لهذا العهد ملك مثلك، ولست ممن يقول في الأمور بانجراف.
وأما الأمر الثاني الذي حملني على تمني لقائه، فهو ما كنت اسمعه من الحدثان بالمغرب والأولياء -وهو ما كان ابن خلدون سرده حول تنبؤ المغاربة بولادة تيمورلنك ووصوله إلى الحكم وهيمنته على ديار الإسلام -فقال لي «وأراك قد ذكرت بختنصر مع كسرى وقيصر والإسكندر ولم يكن في عدادهم، لأنهم ملوك أكابر وبختنصر قائد من قواد الفرس».
بعد هذه الايام العصيبة على دمشق  وبعد سلبها ونهبها وقتل العدد الاكبر فيها ، امر تيمورلنك بحرقها وكانت الريح شديدة فاحترقت دمشق بالكامل تقريباً،  وغادرها الغزاة محملين بالغنائم واصبحت اطلالا بالية، وسلم ابن خلدون وابن مفلح من الكارثة بفضل تملقهم وتزلفهم وخيانتهم مقابل حرق دمشق كلها ، ولسنا بصدد التقليل من قيمة هذا الرجل الذي اسس علم الاجتماع وكان بحق من المعدودين الذين ساهموا باضافة الكثير من المعرفة الى الانسانية، ولكن يبقى الجانب الاخر في نفس الانسان وهو التملق والوصول الى السلطان مهما كان الثمن حتى لوكانت المبادئ .
Hassan Al Modhefer

ابن خلدون في مصر : الأستاذ محمد عبد الله عنان . مجلة الرسالة: العدد 7 : 15 - 04 - 1933

سلسلة أعلام المؤرخين : ابن خلدون ج - 5 
الدكتور حسين عاصي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق