451.#أصطباحة
وصفحة من كتاب
~~~~~~~~~~
عن
الدوسة وخوارق
الدراويش في مولد
الرسول(صل الله عليه وسلم)
حيث يذهب الشيخ
محمد المنزلاوي شيخ الدراويش السعدية وخطيب مسجد الحسين راكباً إلى منزل الشيخ البكري الذي يرأس جميع طوائف الدراويش في مصر. ويقع منزل الشيخ البكري في الجزء الجنوبي من بركة الأزبكية، وفي طريقه
من المسجد إلى منزل الشيخ البكري كانت تنضم إليه طوائف عديدة من الدراويش السعدية، من أحياء متفرقة من العاصمة، وأهل كل حي منهم
يحملون علمين.
والشيخ محمد المنزلاوي رجل مسن، أشيب اللحية، لطيف المحيا، تلوح عليه مخايل الذكاء. وكان يرتدي في ذلك اليوم
(بنش أبيض اللون، وفوق رأسه قاوون أبيض، تلتف حوله عمامة من موسلين زيتوني قاتم، يكاد يبدو أسود اللون. وفي الجزء الأمامي منها شريط من الشاش الأبيض، قد رُبط ربطاً مائلاً ويركب جواداً متوسط الارتفاع والوزن) وأنا أذكر وزن الحصان لسبب سيتضح فيما بعد.
ودخل الشيخ بركة الأزبكية، يسبقه موكب هائل من الدراويش الذين ينتمون إلى طائفته،
ثم توقف الموكب على مسافة قصيرة من بيت الشيخ البكري، وهنا رأيت عدداً كبيراً من الدراويش وغيرهم يبلغون الستين أو ضعف هذا العدد، قد أخذوا يلقون أنفسهم على الأرض، الواحد إلى جانب الآخر متلاصقين.. ظهورهم إلى أعلى وأرجهلم ممددة، وأذرعهم منثنية تحت جباههم وكلهم يرددون بلا انقطاع (كلمة الله الله) ثم أخذ نحو اثني عشر درويشاً أو أكثر، وقد خلعوا نعالهم يجرون فوق ظهور زملائهم المنبطحين على وجوههم، وبعضهم يضرب على الباز وهم يصيحون قائلين:
(الله الله)
ثم اقترب الشيخ، وتردد الجواد بضع دقائق، وأحجم عن أن يطأ أول رجل منبطح أمامه. فأخذوا يدفعونه ويستحثونه من خلفه، حتى أطاع في النهاية، وأخذ في غير خوف ولا وجل يمشي فوق ظهورهم جميعاً مشية الرهوان في خطوة قوية يقوده رجلان كانا يجريان فوق المنبطحين من الرجال ويدوس أحدهما فوق الأقدام والآخر فوق الرؤوس. وانطلق المتفرجون في صيحة طويلة يقولون:
(الله ..لا لا لا لا لاه)ولم يصب أحد المنبطحين بأذى فكان كل منهم يهب واقفاً بمجرد أن يمر فوقه الجواد، ثم يسير وراء الشيخ.. وكان كل رجل من المنبطحين يتلقى من الجواد وطأتين، واحدة من إحدى رجليه الأماميتين، والأخرى من إحدى رجليه الخلفيتين.
ويقال إن الشيخ وهؤلاء الرجال (يستعملون أسماء) أي يرددون أدعية وابتهالات في اليوم السابق للدوسة، حتى يستطيعوا
أن يتحملوا وطأ الجواد دون أن يصابوا بأذى.. ولذلك يقال:
إن بعض الناس ممن لم يعدوا أنفسهم ذلك الإعداد، يخاطرون بالاشتراك في الدوسة.. ومثل هؤلاء قضي عليهم وأصيبوا بإصابات بالغة في أكثر من حادثة.. ويقال: إن هذا العمل إنما هو معجزة، قد وهبها الله لكل شيخ من مشايخ السعدية
على التعاقب.
ويؤكد بعض الناس أن الجواد تخلع عنه حدوتة قبل قيامه بالدوسة. ولكنني رأيت بنفسي أن ذلك زعم غير صحيح وهم يزعمون أيضاً أن الجواد يُدرب على ذلك، وإذا صح زعمهم، فذلك يفسر ناحية واحدة منه، ليست هي التي تدعو إلى الدهشة وتدل على الإعجاز، وأعني بها وطأ الجواد الأجسام البشرية، مع ما هو معروف عن هذا الحيوان من كراهية ذلك العمل.
وبعد أن أتم الشيخ هذا العمل الخارق، دون أن يصاب شخص واحد بأذى، عَبَرَ بجواده الحديقة، ودخل منزل الشيخ البكري لا يصحبه سوى عدد صغير من الدراويش وتبعته إلى الباب، وسمح لي الخادم بالدخول، وانضممت إلى الجموع التي في الداخل، وترجَّل الشيخ، ثم جلس فوق سجادة قد فرشت بجوار الحائط الخلفي للتختبوش الذي يقع في فناء الدار، جلس وقد انحنى ظهره، وارتسم اليأس على محياه والدموع تترقرق في مآقيه، وهو لا يفتأ يُتمْتِم بالتسبيح والدعاء,
واتخذت موقفي بالقرب منه حتى كدت ألاصقه، وجلس معه ثمانية رجال.. أما الدراويش الذين جاءوا معه، والذين يبلغون العشرين عدداً، فقد وقفوا أمامه على شكل نصف دائرة فوق حصير قد فُرِش لهم، ووقف حولهم خمسون أو ستون رجلاً، وتقدم منه ستة من الدراويش، وقد ابتعدوا عن نصف الدائرة نحو ياردتين، ثم بدأوا في الذكر، وأخذوا جميعاً يصيحون في وقت واحد قائلين: (الله حي .. ويضرب كل منهم عند صيحته تلك بسير قصير من الجلد على الباز الذي يمسكه بيده اليسرى من عقدة في أسفله، وظلوا يفعلون ذلك بضع دقائق، ثم اندفع إلى وسط الدراويش عبد أسود أصبح "ملبوساً" وأخذ يصيح: (الله لا لا لا لا لاه)
وأمسك به أحد الناس، وما لبث أن أفاق، ثم بدأ الدراويش كلهم الذين يقفون في نصف الدائرة في ذكر جديد فيصيح، كل (ذكّير على التوالي قائلاً: الله حي.. ويرد الباقون قائلين: يا حي.. وعند كل صيحة ينحنون مرة ذات اليمين وأخرى ذات الشمال) وأخذوا يفعلون ذلك بضع دقائق ثم تغيرت الصيحة فأخذ كل منهم يقول على التوالي:(دايم.. فيرد الذكيرة: يا دايم) . ثم توقف الذكر، وأخذ أحد الناس يتلو بعض آيات من القرآن، ثم استؤنف الذكر من جديد، وظل ما يقرب من ربع الساعة، ثم أخذ معظم الحاضرين من الدراويش يقبلون يد الشيخ وصعد الشيخ بعد ذلك إلى الطابق العلوي.
وكان من عادة السعدية في مثل ذلك اليوم بعد انتهاء الدوسة يعرضون أعمالهم الخارقة التي اشتهروا بها، وهي أكل الثعابين حية أمام جميع من الناس في منزل الشيخ البكري،
و(لكن شيخهم الحالي قد وضع حداً لتلك العادة فلم يعد يمارسها أحد في مدينة القاهرة على اعتبار أنها مخالفة للدين، وتبعث الاشمئزاز في النفوس)
وفي الليلة التالية،
وهي ليلة المولد، ذهبت إلى مكان الاحتفال.. فشاهدت ذكراً آخر على الطريقة البيومية
وانتهى الاحتفال بمولد النبي
(صل الله عليه وسلم)
حين أذّن المؤذن
لصلاة الفجر
~~~~~~~~~~~
(ولله في خلقه شؤون)
تحياتى للجميع
وصفحة من كتاب
( سيد صديق عبد الفتاح)
أغرب الأعيادوأعجب الاحتفالات)
(دار الأمين، 1994، ط1)
(ص 335- 339)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق