459.#أصطباحة
صفحة من كتاب
~~~~~~~~~
حكاية برجوان
والحاكم بأمر بالله
(سنة 380هـ/990م)
بدأ الخليفة العزيز بالله الفاطمي في إنشاء مسجد خارج أسوار القاهرة، لكنه لم يتم في عهد
(هذا الخليفة، توفي عام 386هـ) (996م)، وكان عمر الحاكم وقتئذ أحد عشر عاماً، يقول المؤرخ ابن خلكان: إن الحاكم بأمر الله قال لجليسه وصنيعه
المؤرخ (المسبح) الذي روى عنه:
استدعاني والدي قبل موته، وعليه الخرق والضماد. فاستدناني إليه، وقبلني، وضمني إليه وقال: واغمي عليك يا حبيب قلبي، ودمعت عيناه ثم قال: امض يا سيدي والعب فأنا في عافية، قال الحاكم: فمضيت والتهيت بما يلتهي به الصبيان من اللعب إلى أن نقل الله سبحانه وتعالى العزيز إليه.
فبادر إلى برجوان وأنا في أعلى جميزة كانت بالدار، فقال برجوان: انزل، الله فينا وفيك فنزلت، فوضع العمامة بالجوهر على رأسي وقبل لي الأرض وقال: (السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته) ولأن الحاكم بأمر الله كان صغير السن، فقد طمعت القوى السياسية الموجودة وقتئذ في السيطرة عليه، وكان الصراع محتدماً بين طائفتي المشارقة، والمغاربة، وفي وسط هذا الواقع المضطرب كان هناك خصي أبيض اسمه (برجوان أحد الخدم البيض الذين جلبوا من أوربا ليعملوا في القصور الإسلامية)
تدرج برجوان حتى وصل إلى منصب أستاذ، ثم عمل على إزاحة منافسيه، وكان سياسياً موهوباً فبدأ يستميل إليه العواطف المتنازعة، وفعلاً تمت له السيطرة على مقاليد الأمور وأصبح يدير دفة الأمور في الدولة، وتجاهل الخليفة صغير السن، لم يقم له أي اعتبار، ثم بدأ يغرق في الملذات، غرق في الملاهي، والمتع، ولأنه كان مهيمناً على كل شيء فقد أصبحت الفوضى تعم كل شيء.
ويبدو أن إغراء الحكم، والإغراق في الملاهي، قد حجبا عن عيني برجوان (ملامح شخصية الحاكم بأمر الله هذا الفتى الطويل، المتسع العينين، صاحب النظرات النفاذة، الذي يميل دائماً إلى التأمل) في هذه الفترة كان الحاكم قد تجاوز مرحلة الصبا، بدأ يدخل مرحلة شبابه، ولأنه خارق الذكاء، جاد في تناوله للأمور، لم يغب عنه أمر ما يحدث. لكنه كتم ما يراه، لم يفصح لأحد، ولم يشك، وقرر أن يعمل في صمت، أن يتخلص من هذا الداهية الذي يسيطر على الأمور، ويقودها نحو خراب شامل، إذن لا بد أن يتخلص
من برجوان.. غير أن الدافع لديه لم يكن سياسياً محضاً، أو بهدف سيطرته على مقاليد الدولة، لقد كانت أهدافه أعم وأشمل، وهذا يبدو بوضوح في الخطوات العملية التي بدأ في تنفيذها بعد تمكنه من السلطة في تلك الفترة كان عقله يضج بالمثل، كان يحلم بإقامة عالم خال من المظالم، خال من المجاعات، من الأوبئة، عالم تتحقق فيه العدالة، عالم يذوب فيه المحكوم في الحاكم، إن الواقع حوله يضج بكل ما يستنفر روحه الطموحة إلى عالم مثالي يقوم فوق ارض الواقع، وهو ليس حاكماً عادياً، إنه خليفة، وإمام المؤمنين، ومرتبة الإمامة عند الفاطميين تجعل الخليفة من الناحية التأويلية في مستوى أعلى من مستوى غيره من البشر لأن الأئمة هم حجيج الله على خلقه وهم الداعون
إلى التوجيه من الله
تعالى وتنزيهه
~~~~~~~~
تحياتى للجميع
وصفحة من كتاب
(جمال الغيطاني)
(ملامح القاهرة في ألف سنة)
(دار نهضة مصر، 1997)
(ص 70.ص 72. 73)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق